بسم الله الرحمن الرحيم

الشاعر المرحوم الحاج
ياسين عبدالله آل رمضان الأحسائي

 

قال مصطفى أمين في كتابه مئتي فكرة وهو يتحدث عن كامل الشناوي ، قال مصطفى أمين كان كامل الشناوي يحب أن يتكلم ولكنه لا يحب أن يكتب ، فإذا حضر مجلساً ملأه مرحاً وضحكاً إنتهى كلامه . هذا القول ينطبق تماماً على أديبنا المرحوم الحاج ياسين .

كان رحمه الله أديباً واسع الثقافة لسناً جيد التعبير ناقد البصيرة ، له في كل فن معرفة تامة ، فهو أديب وشاعر وفقيه ومتكلم وملم بمسائل الحكمة ، وصدق أحد مؤنبيه من خطباء المنبر الحسيني الشريف حيث وصفه بالداعية الإسلامي الغيور على دينه وعقيدته . كان يحب الكلام وينطلق فيه برغبة وحماس ويستولي على مشاعر سامعيه فلا يملوا حديثه ويشد سامعيه إليه حتى يتمنى سامعوه أن يستمر فيما أخذ فيه من الكلام ، هذه الشخصية العلمية النادرة والإعلامية المتميزة وصاحب ذلك الأدب الجم والفكرة الصافية وذلك المفكر الذي عنده لكل مشكلة حل ولكل غامض تفسير ولكل ناحية من نواحي المعرفة له فيها حظ وافر وفكر صائب ، هذه الشخصية العظيمة وهذا المفكر العظيم لا يوجد بعد وفاته وغيبته عن مجتمعه ما يدل على عظم شخصيته الجامعة والمستحوذة على كل نافع ومفيد ، والسبب في ذلك أنه رحمه الله يحب أن يتكلم ولكن لا يحب أن يكتب ، وقد قيل في الأثر "قيدوا العلم بالكتاب" وأنطبق على أديبنا الكبير ومفكرنا العظيم القول المأثور يموت العلم بموت حامليه ، والسبب في ذلك أنه لم يكتب ولم يدون معلوماته لتحفظ وتقرأ من بعده ، ولولا الكتابة والتدوين لم يجتمع للبشرية هذا الكم الهائل من العلوم والمعارف ، هذه توطئة لابد منها عند الكلام على فقيدنا وفقيد العلم والأدب الحاج ياسين الرمضان تغمده الله برحمته ، والقصد منها أن لا يستغرب القاريء الكريم ما سنقوله عند الكلام على شخصيته الكبيرة في العلم والأدب والإجتماع والحديث عن تلك الحياة الحافلة والتي لم يبق منها سوى ذكريات في أذهان معاصريه ممن جالسه وأخذ عنه ، أقول : لم يبق من آثاره بعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى إلا بعض القصائد والقطعات الشعرية وهي في الواقع لا تعطي القاريء الكريم ولو جزئياً صورة لتلك الشخصية المتعددة الجوانب والتي أقل أدواتها نظم الشعر تفكهاً لا تعمقاً فيه ولا تركيزاً عليه علاوة على أن معظم ما قاله من شعر قد ضاع إلا القليل النادر ، والسبب كما سبق لنا أن قلنا عنه في أول الكلام أنه يحب الكلام ويكره الكتابة ، ولنا أن نتساءل هنا لماذا يكره الحاج ياسين الكتابة ؟ وهو كما نعلم عمله التجارة ، والتجارة مدارها على الحساب والكتاب ، لماذا يكره ما هو من لب عمله ؟ أقول إن الحاج ياسين رحمه الله خلق ليكون خطيباً يرتجل ما يريد إرتجالاً ولم يخلق كاتباً يفكر ويدون ، والإنسان ميسر لما خلق له ، ربما يستغرب القاريء هذا الحكم ويقول ما هو الفرق بين الخطيب والكاتب ؟ والواقع أن هناك فرقاً في المواهب ، وإن كان الموضوع واحد وهو الكلام ، ولكن هذا يفكر ويتكلم وذاك يفكر يكتب ، أما ترى أن من الناس من يبرع ويتفوق في النثر ويبدع فيه ومع أنه يحسن النظم ولكن لا يبدع فيه كشاعر مطبوع والموضوع واحد ، وكل من النثر والشعر كلام ، كذلك يكون الرجل خطيباً مصقعاً ولا يكون شاعراً مبدعاً ، وكذلك مترجمنا يحسن إدارة دفة الحديث في المحافل فيؤدي رسالته ضرورة تحمله على الكتابة فكأنها تحصيل حاصل ، ولكن هل نسي الحاج ياسين أن اللسان يسمع به الحاضر وأن القلم يخاطب به الغائب ؟ وقد قيل :-

الخط يبقى زماناً بعد كاتبه            وكاتب الخط تحت الترب مدفون

أقول : لم يغب ذلك عن ذهن الحاج ياسين وهو ما هو من توقد الفكر وحدة الذهن ، ولكن لكثرة ما قرأ ولشدة إعجابه بما دون العلماء والسابقون من المعارف والتحقيقات رأى أن لا ضرورة ولا حاجة تحدو بمن جاء بعدهم إلى إضافة شيئاً ما ، فالصورة تامة والأمر مكتمل ولا داعي إلى إحداث شيئاً يكون إلى جانب ما كتبه عمالقة الفكر وأئمة البيان كإشعال شمعة في عز النهار ، ولا تستبعد هذا الشعور فإنه السبب في إنك تجد من يفني عمره المديد في طلب العلم ويحوز على الشهادات العالية ويرجع إليه الجماهير في التقليد ثم تسأل عن آثاره بعد رحيله إلى الدار الآخرة فلا تجد له شيئاً يذكر ، اللهم إلا رسالته العملية ، وبعضهم يأمر متبوعه بالعمل برسالة أحد العلماء المقلدين مع الأخذ والإلتزام بجميع الإحتياطات ، أقول : هؤلاء العلماء أخذوا أخذا عنيفاً بمؤلفات من سبقوهم وتمثلوا قول القائل : ما ترك الأول للآخر شيئاً فكسروا الأقلام ومزقوا الأوراق . أقول مثل هذا الشعور من الحاج ياسين رحمه الله حرمنا وحرم الأجيال الصاعدة من أدبه وفكره .

هذه الكلمة أقولها لئلا يستغرب القاريء الكريم ما سأقوله عن الحاج ياسين في ترجمته حيث لا يجد ما يقوم كبرهان على صحة ما أقول ولئلا أتهم بالمبالغة والمحاباة للمترجم رحمه الله تعالى ، والله على ما أقول شهيد .

مولده ونشأته :-

ولد الحاج ياسين سنة 1315 هجرية في مدينة الهفوف عاصمة الأحساء من أب كريم هو الحاج عبدالله بن الحاج أحمد الرمضان ، ونشأ في بيت علم وأدب وجاه وثروة ، وعشيرة آل رمضان عرفت بوفرة الأدباء والشعراء والعلماء في الحاضر والماضي المعرق في القدم ، وقد نشأ الحاج ياسين في كنف أب تحلى بكل فضيلة وحاز كل مكرمة ، فلو لم يطلب الحاج ياسين علماً ولم ينتسب إلى مدرسة لكفاه هذا الأب أدباً وعلماً ومكارم أخلاق .

تعليمه :-

لم يكن في الأحساء آن ذاك مدارس نظامية ولم يكن فيها إلا الكتاتيب لحفظ القرآن الكريم ومباديء الكتابة والحساب ، فأرسله والده إلى كتّاب المرحوم الأديب الشاعر عبدالله بن علي آل حسن بن إبراهيم وهو أفضل المعلمين في زمانه ، كان يعلم القراءة والكتابة ومباديء الحساب وتحفيظ القرآن الكريم ثم الأدب وعلوم العربية ، وكان رحمه الله أديباً شاعراً وله يد في التنجيم ويحكى له فيه كثيراً من النوادر والحكايات الطريفة عند هذا الشاعر الأديب ، حفظ الحاج ياسين القرآن الكريم وتعلم مباديء القراءة والكتابة والحساب ثم النحو وعلوم البلاغة والعروض ، وكان الحاج ياسين على جانب عظيم من الذكاء وتفتح القريحة فبزّ أقرانه في الكتّاب وتفوق عليهم .

حياته العملية :-

ولما كان والده يعمل في التجارة فقد ضمه إلى عمله فإستطاع على حداثة سنه أن يقوم بعمل أبيه خير قيام ، أحب مترجمنا المعرفة وكان لوالده مكتبة عامرة بالكتب النادرة في العلم والحكمة والأدب فأقبل عليها بشغف وشوق شديدين يشبع بها نهمه بها مواهبه حتى كان في الجيل الذي هو فيهم أغزرهم علماً وأوفرهم معارفاً وأوسعهم في المدارك ، فكان ألمع الأدباء في مجتعمه ، وفي سنة 1357 هجرية شرّف الأحساء العلامة الحكيم الإلهي الميرزا علي الحائري ، وكان قدس الله سره ونور ضريحه معنياً بأفكار الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي وترويج آرائه في الحكمة الإلهية والعرفان الإسلامي ، فلازمه وأخذ عنه وضرب في الحكمة بسهم وافر حتى لقد شهد له أستاذه الميرزا علي طاب ثراه بعلو الكعب ، فقال وقد مرّ ذكر الحاج ياسين فأفاض الحاضرون في إطراءه ووصفوه بالمعرفة والأدب ، فقال الميرزا طاب ثراه قولته الصادقة ، الحاج ياسين الرمضان من كبار العلماء ، وصدق الميرزا قدس سره ، لقد كان الحاج ياسين رحمه الله من العلماء ، وقد أخذ على عاتقه ترويج ما علم في جميع الأوقات والمناسبات بأجلى بيان وأحلى عبارة ، وأصاب أحد مؤنبيه حيث وصفه بالداعية الإسلامي المجاهد ، ولقد حضرت مجالسه فوجدت فيه الموجه والناصح الأمين ، وجدت عنده لكل مشكلة حلاً ولكل غامضة تفسير ولكل شبهة يروجها المنحرفون كشفاً ، لا يبقى عليها ولا يذر ، وكان رحمه الله على تدينه وتقدمه في السن منفتحاً على ثقافة العصر يقرأ الصحف والمجلات ويتقبل الأفكار الحديثة في الأدب والإجتماع ويدافع على الصالح منها وما يتفق وروح الدين ويسخر من المتزمتين ويرى فيهم دعاية سيئة ضد الدين ويؤكد على أن تعصبهم وجهلهم بحقيقة الدين والتدين قد جرّ الويلات على الدين نفسه حتى لقد إنعكس جهلهم على الدين نفسه والدين بريء منهم ومن جهلهم ، وقرر كل ذلك بأسلوب هو غاية في البلاغة والتأثيير في السامعين ، ولديه رحمه الله قدرة فائقة على الإقناع وغرس الفكرة التي يتبناها في أذهان سامعيه ، والحاج ياسين من أوائل من أطلعوا على الحركة الثقافية والأدبية في العالم العربي من شباب الأحسائيين ، وذلك عن طريق تردده على البحرين بحكم عمل أسرته في الأعمال التجارية ، وكانت البحرين آن ذاك مركز تجارة المنطقة الشرقية بحكم موقعها ولعدم وجود ميناء في المنطقة الشرقية يستوعب رسو السفن التجارية الكبيرة ، فكانت السفن تفرغ حمولتها في موانيء البحرين ثم تصدر إلى المنطقة الشرقية عن طريق ميناء العقير ، فكان لزاماً على كل تاجر أن يكون له وكيل في البحرين يستلم ما يرد له إليها من البضائع ثم يعمل على شحنها إلى الأحساء ، وهكذا كان لآل رمضان بحكم عملهم كتجار موردين ومصدرين وجود دائم في البحرين ، وكان لهم فيها أملاك وأماكن إقامة دائمة إلى عهد قريب .

زوجاته :-

1 ) آمنة عبدالمحسن الشيخ حسن الرمضان ... وأنجب منها المرحومة / ياسينة "زوجة المرحوم / عبدالوهاب الشيخ حسن البغلي" .

2 ) فاطمة عبدالمحسن الشيخ حسن الرمضان ... وأنجب منها المرحوم / الحاج موسى "أبو سامي" رحمه الله ... والمرحومة / مريم "أم علي الميرزا حسن" رحمها الله ... وجعفر "وقد توفي وهو صغير" .

3 ) فاطمة بنت الشيخ أحمد بو حليقة ... وقد أنجبت له أربع ذكور :-
الحاج / منصور "أبو أنور" ... والحاج / مهدي "أبو ياسين" ... والحاج / محمدتقي "أبو نزار" ... والحاج / صادق "أبو محمد" .

وقد أنجبت له خمس إناث :-
أم باقر "زوجة المرحوم / السيد أحمد الغافلي ، وأم أيمن "زوجة السيد حسين السيد عبدالله اليوسف" ، وأم وائل "زوجة الحاج / فؤاد أحمد بو حليقة" ، وأم هاني "زوجة عبدالله محمد بو خمسين" ، وأم رائد "زوجة عبدالله عبدالحميد البغلي" .

إنتقاله إلى البحرين:-

وفي حدود 1355 هجرية أقام الحاج ياسين في البحرين إقامة دائمة ، فكان رحمه الله في البحرين على إتصال مباشر بالحركة الثقافية والأدبية في البحرين ، والبحرين كما هو معروف أقدم بلاد الخليج وأكثرها تأثراً بالحركات الثقافية والأدبية في الأقطار العربية كالعراق ومصر وبلاد الشام ، ترد إليها الصحف والمجلات والنشرات الإعلامية والكتب العلمية والأدبية يقبل عليها شباب البحرين بشوق وشغف شديدين ، ومن المناظر المألوفة في أسواق البحرين الزحام الشديد على المكتبات من القراء كل يخشى أن يفوته الحصول على نسخته المأمولة من مجلته المفضلة أو صحيفته المختارة ، في هذا الجو الرائع عاش الحاج ياسين يقرأ بينهم ويعلق وينتقد ويجيب على شتى التساؤلات ويضع الحلول على المشكلات بعقلية علمية جبارة وبيان غاية في الروعة وأسلوب واضح أخاذ يستحوذ على عقل السامع ويقنعه بالفكرة التي هو بصددها ، ولم يكن ذلك وياللأسف مكتوباً مدوناً ليبقى للأجيال المقبلة ، وإنما هو كلام عابر يشافه به جلساءه ويعجبهم ويطربهم ثم ينفض المجلس فلا يبقى من كل ذلك سوى ذكريات عابرة تذهب مع الزمان الماضي ، والبعد يحدث للإنسان نسيان ، وما لم يكتب يذهب ، ولهذا قيل "قيدوا العلم بالكتاب" فلم يبق للحاج ياسين رحمه الله من الآثار بعد غياب شخصه عن مجتمعه سوى ذكريات في أذهان عارفيه وبعض القصائد والمقطعات ، لأنه لم يجمع ما قاله من شعر ، فكان أن ضاع أكثر ما نظم من الأشعار على مدى ستين عاماً أو أكثر ، وما بقي من شعر لا يمثل أدب الحاج ياسين ولا يعطي صورة صحيحة لتلك الشخصية المتعددة المواهب ، والشعر أقل أدواته ، ولم يكن رحمه الله يعطي الشعر من فكره ما كان يعطيه للفنون الأخرى من الإهتمام ، وكأني بلسان حاله يقول :-

ترضى بأن يقال أنت شاعر            بعداً لها من عدد الفضائل

وهناك سبب شغله عن الكتابة والتدوين ، ألا وهو حبه للمطالعة ، فإذا أنفرد بنفسه تناول كتاباً فإستغرق في مطالعته وإنشغل به عن كل شيء سواه علاوة على أن الحاج ياسين محبوباً من عارفي فضله ، فهو كثير الأصدقاء والمعارف ، فما زرته رحمه الله إلا وجدت مجلسه عامر بالكثير منهم ، وكفا بهؤلاء شاغلاً له عن كل شيء ، وقد قيل أنت لنفسك قبل أن تعرف ، وإليك بعض النماذج من شعره رحمه الله نثبتها لا على أنها نماذج مختارة من إنتاجه الأدبي ، وإنما هي ما تبقى منها وما سلم من الضياع وما أحتفظ به سواه مما نظم ، نقلناها من ( مطلع البدرين ) لمؤلفه الفاضل أبي الحسن جواد بن الوالد الحاج حسين الرمضان ، وقد أورد في موسوعته الضخمة في تراجم أعلام المنطقة الشرقية والبحرين ترجمةً ضافية للحاج ياسين ، قال حفظه الله :-

هو الوجيه الحاج ياسين ابن الحاج عبد الله بن أحمد بن محمد آل رمضان المولود في حدود سنة 1315 للهجرة الشريفة والمتوفى سنة 1390 كان رحمه الله وجيهاً أديباً فاضلاً شاعراً ماهراً، كانت ولادته في الهفوف وفيها نشأ وتعلم القرآءة والكتابة على الطريقة القديمة عند أحد الملائية ولما شبّ عن الطوق أقبل على مطالعة الكتب وخاصة كتب الأدب والتأريخ ودواوين الشعراء حتى تكونت ثقافته وصارت عنده ملكة نظم الشعر فقد مارس قرض الشعر وهو في العشرينات من عمره وامتهن حرفة التجارة كوالده وأعمامه إذ كانت حرفة التجارة هي الغالبة على عائلته وفي منتصف عمره هاجر إلى البحرين وأقام فيها مدة طويلة تزيد على الثلاثين عاماً مشتغلاً في التجارة فيها وكانت له في البحرين المكانة العالية والمنزلة الرفيعة وكان رحمه الله محل تقدير واحترام الجميع وفي عام 1388 هجرية ترك البحرين وعاد بإسرته إلى الأحساء وأقام فيها نحو سنتين إلى أن فاجأه الأجل المحتوم ولبى نداء ربه في اليوم الثالث من شهر ذي القعدة سنة 1390 هجرية فحزن لفقده عموم أهل الأحساء دانيها وقصيها وأقيمة على روحه الفاتحة لمدة خمسة أيام في حسينية التعاون المعروفة بالجعفرية وهذه أقوال العلما والأدباء في وصف المترجم:

قال العلامة الميرزا علي أبن المقدس الميرزا موسى الحائري الإحقاقي في مقدمة أجوبته على مسائل من المترجم : وبعد فإن جناب الأكرم زبدة الاعزة والخلان الحاج ياسين بن الحاج عبد الله آل رمضان حرسهما الله تعالى من شرور الدهر الخوان لحسن ظنه بالأحقر الفاني وجه إلي سؤال من البحرين وهو شرح الآية الشريفة التي في سورة النجم وهو قوله عز وجل :- (( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة ... إلى آخره )) يريد مني تفسيرها في الظاهر والباطن وحيث أنه وفقه الله لمرضاته من أهل المعرفة والكمال وأهل للجواب وما يسعني إلا إنجاز مطلبه والمبادرة إلى مأموله أسرعت إلى جوابه آتياً بما هو الميسور وعلى الله توكلي في كل الأمور ... إنتهى .

وقال المرحوم الحاج محمد علي بن أحمد التاجر في كتابه منتظم الدرين الأديب الأريب اللبيب اللوذعي الألمعي الأمين المهذب ياسين أبن التقي الأواه الحاج عبد الله آل رمضان الأحسائي المعاصر الصديق الصفي الوفي ذو المفاخر والمآثر صاحب الأخلاق الحميدة والأوصاف المجيدة الكاتب القدير والأديب الشاعر الماهر وهو سيال القرحة وله شعر لابأس به واسع الخيال حسن الديباجة جميل الأسلوب فصيح اللفظ سالم من التعقيد ... إنتهى .

وقال الحاج محمد بن حسين آل رمضان في رسالة أنسابه الموسومه بـ"التعريف بآل رمضان" الحاج ياسين آل رمضان وهو من رجالات العشيرة وأدبائها وساداتها العظماء وقد توفاه الله في هذا الشهر في الثالث منه وهو ذو القعدة سنة 1390 للهجرة فإنا لله وإنا إليه راجعون وكان لموته رحمه الله وقع مؤلم لاعلى العشيرة فحسب بل على أهل الأحساء جميعاً لما للفقيد الغالي من مكانة أدبية رفيعة ولما يتمتع به من خلق قويم وحنكة ودراية وكان شاعراً مبدعاً وأديباً متطلعاً وشخصية محببة إلى كل الناس لايمل حديثه ولايشبع من مجالسته وقلت في رثائه رحمه الله هذه القصيدة :-

لــه الله مـن جـسـد فـي كــبـــد            ونـفـس تـكـابــد ســجـن الــجــســد
وفكر تبلبل حـتـى اسـتـحــــال           
وشــــرده الـــهـــم حـــتـــى شـــــرد
وقـلـب ويا لـيـتـه كــالقـــلــــوب            تـــجـــاوزت فـي لـومـه كــل حــــد
وقــلــت بــدونــك لــو أنــنـــي            أعــيــش كـمـا عـاش مـقـطـوع يـــد
إذن لـنـبـذتـك نـبــذ الـــنــواة            وأزعــمــت عــنــــك فــراق الأبـــد
وحطمت من أجــل ألا تــعــود            إلــى جــمــيــع جــرار الــبــلــــــد
لأنك يا قلب جـسـر الــهــمـــوم            إلى النفس بل أنت سوس الجسـد
هــــمــمــت وكـدت ولــكــنـــي            تراجعت إذ كـان لـي مـنـك يـــــد
غداً يفصل الموت ما بـــيـنـــنـــا            قـــريـــب لـــنـــاظـــر يـــوم غـــــــد
ويـثـأر لـي مـنـك دود الـــثــرى            وإن كـــنــت بــالأكــل لا تــنـفــرد
ولــكــنــه الـــمــوت عـــذب إذا            أطـــاح مــــعــي بـــعـــدو نـــكـــــد
وخلصني مـن هـمـوم الـحــيـاة            ومــمــا أقــاســي ومــمــا أجــــــــد
فـلا خـيـر فـي عـــمـــر لا يـــدوم            ولي مــن لـيـالـيـه خــصــم ألـــــد
ودهــــر أنــا مــنــه فــي مـــأتـــم            فمن لدم صدر إلى لــطــم خـــد
وتلـك جـفـونـي لـفـرط الـسهـاد            وفــيـض الــدمــوع عــراها رمـــد
عجبت لـعـيـنـي تـسـح الـدمـوع            ونار الأسى في الحشى تــتــقـــد
فلا تحرقـتـنـي جـفـفـت أدمـعـي            ولا الـدمـع أطـفــأ نــار الـكــبــــد
وقالوا فقـدت الـكـثـيـر الـكـثـيــر            فـمـا كـنـت إلا الصـبـور الـجـلـــد
فما بالك الـيـوم رهــن الــبــكــا            كــأنــك أول شــخــص فــــقــــــد
فـقـلـت أقـلـوا عـلـي الــمـــــلام            فـمـثـل فــقــيــدي لــم أفــتــقــــد
لا إن أجـلـي حـال تـوقـيـتــــــه            ومــــا مــت يــوم نــمــوه كــمــــد
لا عــلــم أن أقـــل الــوفـــــــــاء            لـمـوت الأحـبـة حـزن الأبــــــــــد
فـيـا راحـلاً حـلّ بــي حــزنـــــه            ونادى على الصـبـر أن يـبـتـعـــــد
بـكـيـت لـنـعـيـك مرّ الــبــكــــاء            وكم لي عـلـى ذاك مـن مـنـتـقــــد
يـقـولـون أســرف فــي حــزنــــه            وكـان مـن الـحـزم أن يـقـتـصـــــد
ومــا عـلـمـوا ويـلهــم أنــــنـــــي            بــإمــكــان مــوتــك لا أعـتــقـــــــد
على الرغم من أن فخ المنــون            لا يــسـلــم الــدهــر مـنـه أحـــــــد
وأن نــــعــاتـــك قــــوم ثـقــــــاة            وأن الحديث صحيح الــســنــــــد
فما زلت أبحث بـيـن الرجــال            وإن طال البحن عــنــك الأمـــــد
فما كان مشـعـل ذاك الـذكــــاء            لـيـخـمـد قـد كـذبـوا مــا خـمـــــد
سـأدفـع بـالـشـك عـنـي اليقيـن            وأبـحـث عـنـك وإن لـم أجـــــــد
وإن ناقض الشك حزني عليك            وصـرت بـمـوتـك كـالـمـعـتـقـــــــد
فما كان قلـبـي عـلـى ضـعـفـــــه            لـيـسـمـع نـعـيـك مـــــــن دون رد
وأنــت الــذي فــقــده ثــلـــمــة            إذا كـــان بـــل ثــغـرة لا تــســـــد
فمالك في الناس مــن مــشــبــه            إذا ما أطرحنا شبيه الــجــســــــد
فــلــســت الـكـثــيــر بــأمــثــالــه            فــيــعــتــاض عـنـه إذ مــا فــقــــــد
وكم في بـنـي رمـضـان ذويــك            من الماجدين الكرام النــــجـــد
ولـكـنـك الـفـرد مـن بـيـنـهــــــم            بـرغــم الــعــلا ووفــور الــعــــــدد
وإن تك ياسين قـلـب الـكـتـاب            فإنك يـاســيــنــنــا والـــصـــمــــد
وأنت الذي بك جاد الــزمـــان            ونـلـنـا الـذي لـم يـنـلـه أحـــــــد
ورحنا نحوك بـــرود الــمــديــح            إلى أن كسونـاه أضفى الـــبــــرد
ولــكــن تـــــداركــــه لــــؤمــــــه            فـــأفــسـد مــعــروفــه واســتــــــرد
لــذك عـلـمـنـا بـــأن الــــزمــــان            يصيـر إلــى ذمــه مــن حـــــمـــد
فـصـرنـا إذا قـيـل جـاد الـزمــان            أجـبـنـا بـيـا لـيـتـه لـم يـجـــــــــد
هـنـيـئـاً لــمــن عــاقـــه عــائــــق            فـلـم يـتـكـون ولــم يــنـــعــقــــــد
فمن حل ساحة هذي الـحـيـاة            وإن عــاش فـي نـكـد أو رغـــــــد
فلابد في النزع من أن يــقــول            يــا لـيـت والـدتـي لـم تـلـــــــــد
وإني لأكـره أزهــى الـلـبــــاس            إذا كــان عــاريــه تــســتــــــــــرد
فكيف إذا كـــان ثـوب الـشـقــاء            أيـعـذل فـيـه لـبــيــب زهـــــــد ؟

ومما جمع الأخ الفاضل أبو حسن في موسوعته مطلع البدرين في تراجم أعلام المنطقة الشرقية والبحرين طائفة لا بأس بها مما بقي من شعر الحاج ياسين رحمه الله قال رحمه الله يرثي حجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي بن العلامة الشيخ جعفر بن الشيخ محمد أبي المكارم آل الشيخ رمضان العوامي طاب ثراه :-

قطع المنون لسان أهل الــضـــــاد            وأعاث في عرفانها بــــــفــــســــــاد
وأجتث منهم طود علم شـاهـــقــــاً            شمخت أدانيه علــى الأطــــــراد
واغتال شرعة أحمد بأمـيــنــتـهــــا            وابتز ثاقب ضوئها الـــــــــوقـــــــاد
واجتاح للحكماء أي مـــعــــلـــــم            بحصيف عـلـق ثــــاقــــــب وقـــــاد
وأمات من أهل الدراية مجدهـم            عميدهم في فــكـــرهــم وســــداد
ومنار علم الفقه عفا رســــــــمـــــــه            ومحا المأثر منه في اســتــــبـــداد
اليوم قامت في الخليج مـــآتـــــم            حزناً على نظب المحيط الهادي
اليوم طبقت الجزيرة فـــــجــعــــة            من فادح عم الـــورى بـــســـــواد
اليوم مات العلم كيف حــيـاتـــــه            ليوم أظلم أفـــق هـــذا الـــوادي
فليبكه التوحيد في أطــــــرافــــه            ما بين حاظر أهله والـــــبــــــادي
وليبكه شرق البلاد وغـــربــــهــــــا            ولتنعه الخطباء فــــــي الأعـــــواد
من لي بمثل أبي المكارم عيلمـاً            بين الورى ولـكـل قــــوم هـــادي
بعلومه الغراء يشدو خـــــصـــمــــه            وبها يرجع فـي الأنــام الــحــادي
فأوال تبكي منه أفضل قاضــيتــــاً            فقدته في دنيا الـــقــضــا وعــمــاد
ولقد أقام بها أباً ومــجـــمــــعــــــــاً            يحنو على الأحباب والأضــــــداد
ولإن تقاصرت السنون فـــأنـــهــــــا            مجد الحياة عــمــيـقــة الأبـــعـــاد
ما العمر في طول السنين وقصرها            العمر في التقوى وفي الأعــــداد
خمسين عاماً عاش ظل للــهــــدى            ومنارة بـــــيــن الــــبــريـــة بــــاد
واليوم ألقى الدين غـايـة أمــــــره            فإذا به قصد لـــــكـــــل مــــــــراد
وإذا بشمل الفضل فيه مـــجــمــع            يسمو على الـنــســاك والــــزهـــاد
وسما القضاء به وتاه مـــحـــــلـــقــاً            وبكفه قد قيد خـــــيــــــــر قـــيـــاد
ما لا نعد عوداً هيبتاً من ســـلــطــة            لا بل تجلبب هــيــبـــة الآســـــاد
إيهاً أبا الإسلام كيف تـــــركــتــنــا            وعيوننا تـبــكــي بـــغــيــر ســـواد
لو كان يفدا بالنفيس فــــديـــــتـــه            بالنفس والأهـــــــلــيـــن والأولاد
أو أنني أعطا اخــــتــيــاري مــــرة            لدفنته في مهجــتــــي وفــــؤادي
يا راحلاً مات الهدى بـرحــيـــلـــه            هيهات أن تنسى مـــدى الآبــــاد
إلا بخطب شهيد وقعة كــــربـــــــلا            سبط النبي وخــيـرة الأمــــجـــاد
يا ويلهم قتلوه ظــلـمـاً ظــــامـــئـــاً            تركوه عـــار فـــي ربــــاً ووهــــــاد
والصدر منه غادروه مــــحــطــمـــاً            والرأس مـنــه شــيـل بـــالــمــيــاد

وقال رحمه الله يرثي حجة الإسلام والمسلمين العلامة الشيخ حبيب بن الشيخ صالح بن قرين الأحسائي المتوفى سنة 1363 هجرية أعلى الله مقامه :-

رزء عرى فالصبر لـيــس جــمـــيــــلاً            أودى وأخمد للهدى قنـديـــــــلا
وطوى الأنام جميعهم في واحـــــد            روح النظام وجسمه تـشـكــيــــــلا
وابتزّ من عين الهدى إنـــســــانـــــه            وأباد من وجه البسيطة جــيــــــلا
وسطى على الإسلام سطوة جائــــر            واجتاح عامر أنسها المـــأمـــــــولا
وقضى على أيتام آل مـــحــــمـــــد            إذ غال عين حياتها المـــأمـــــــولا
واجتث طود الدين من أعـــراقـــه            ملأ البلاد مأتـــمــــا وعــــــويـــــــلا
وأباد للإســـــلام أعــــظـــــم قـــــوة            ترجى فغادر جيشه مــــفـــلـــــــولا
كهف الشريعة ركنها وقـــــوامـــــهـــا            حام حماها سيفها المــســـلـــــــولا
العالم الحكمي والـحــبـــر الــــذي            بهر العقول وكم أنار عــــــقــــــــولا
شمس الشريعة والمنير بـــــأفــقــهـــا            وهو الدليل لمن أراد دلــــيـــــــلا
مصداق معنى الإجتــهـــاد وســــره
           يستنبط الأحكام والــتــنـــزيـــــــلا
تتفجر الأسرار من جــــــنـــبـــاتــــه            ويفيض فـيــضــاً إن أصاب مـسيـــلا
إن جال في العرفان فهو المقتدى            وهو الإمام متى ترم تــــــأويــــــــلا
إيهاً حبيب الله يا مولا الـــــــــورى            سيدوم حزنك في الزمان طويـــلا
إيهاً أبا موسى لفقدك ســيـــــــــدي            تبك الشريعة ركنها الــحــــلــــــولا
لو كنت تفدي لإفتدتك فنوسنــــــا            والنسل منا بعد جيل جــــــيـــــــلا
الحزن يصغر والدموع حقــــــيــــرة            والموت من حزن نراه قــلــيــــــلا
يا واحد الإسلام يــــــا نـــامــوســـه
           فخر الشريعة حكمها الـمـقــبــــــولا
فلقد عرفت وما عرف حــــــقيـقــــــة            ولقد جهلت وما جهلت خـمـــــولا
فضل أقر به الجــهــابـــذ كـــلــهـــم            ما كنت يوماً سيدي مــجــهــــــولا
الحق يشهد لي بــــأنـــك واحـــــد            في كل علم لا ترى مــــوصــــــولا
صلى عليك الله يا علم الـــــهـــدى            وحباك من رضوانه الـمــأمــــــولا
لبيت داع الحق لـــــمـــا أن دعـى            ومضيت محمود الخصال جميلا

وله قصيدة في رثاء العلامة الشيخ علي أبو حسن الخنيزي الخطي منها هذه الأبيات :-

كهـف الـشـريـعـة ركـنـهـا وقــوامــهــا            ومـجـيـرهـا مـن كـل دهـر عــاد
وممثل الدين الحــنـيــف وفــخــره            بحر العلوم وكنز شـرع الـهـادي
مـسـتـودع الأسـرار كـاشـف رمـزهــا            ومـبـيـن الأحــكــام لــلأحــفــاد
إيـهـاً أبــا حــســن نـظـام وجــودنــا            من رزءه قد مـض فـي الأكـبـاد
يا حجة الإسلام يـا عــلــم الــهــدى            يا ليتني كنت الفـقـيـد الـغـادي
يا صاحب الخطب العظيم ومن بـه            لاذ الجمـيـع وأسـعـفـوا بــمــراد
كــل الـبـلاد مــنــاحــة وفــجــيــعــة            كـل الـبـلاد مـجـلـبـب بـحـداد
كـل الــجـهـات مـدامـع ومـصـيــبــة            كـل الديـار لـهـا عـويـل بـــادي
إنــي أعـــزي الــمــلــة الــغــرا بـــه            فهي المصابة لا أخـص بــلادي

وقال راثياً العلامة الجليل السيد محمد بن السيد حسين آل علي الموسوي وألقى قصيدته في حفل أربعينه المقام في مدينة المبرز في الأحساء سنة 1390 هجرية ، قال رحمه الله :-

خل الـعـيـون لـحـزنـهـا وأســـاهـــا            فهي المصابة لا أخــص بـــــلادي
فاـلـيـوم يـوم الأربـعـيـن لـــفـــادح            شغل النـفـوس بـنـدبـهـا وبـكـاهـــا
يـومـاً بـه فـجـعـت شـريـعـة أحـمـد            بــعـمـيـدهـا وعـمـادهـا وسـنـاهـــــا
بــإمــامــهــا وأمــيــنــهــا وأمــانــهــا            ومحل مشـكـلـهـا وقـطـب رحـاهـــا
قد عاش يخـدمـهـا طوال حـيـاتــه            مــتــرســمــاً آدابــهــا وخــطــاهــــا
كـم حـل مـشـكـلـة وأظـهـر غامـضـاً            حتى أزال عن القلـوب عـمـاهــــا
هــو سـيـد مـتـسـلـسـل مــن ســادة            مــتــســلــسـلـيـن لـحـيـدر ولــطــــه
مثل الفقـاهـة والـنـزاهـة والـتـقـى            أصـل الحقـيـقـة لـفـظـهـا مـعـنـاهـــا
قـــد جـمـع الآداب مـن أطـرافـهـا            ديـنـاً ودنـيـا مـمـسـكـاً بـعـراهــــــــا
خريج مدرسة الحسيـن أبـيـه مـن            بـز الـفـطـاحـل من جميع لـغاهــــا
وكم استقى من نبع أعظم حكمة            يؤتى كثير الخـيـر مــن يــؤتــاهــــا
وتــتــبــع الآثــار مــن خــطــراتــه            وحوى المعارف فيه من أســنــاهــا
وحـكـاه فـي آدابــه وعــــلـــومــــه            وحوى العلوم فكان قطب رحاهــا
مـهـمـا أقـل فـيـه فـلـسـت مـبـالـغــاً            ما فـطـنـتـي فـيـه وقــدر مــداهـــــا
يبقى لـسان الـوصـف عـنـه قـاصـراً            مهما تفـنـن فـي الـثـنـا وتـنـاهـــى
ما مات من ذكراه تـعـبـق بـالـشـذا            وتــعــطــر الأرجــاء والأفـــواهـــــا
هـذا هو العـمـر الـذي لا يـنـتـهـي            يمتد فـــي دنــيــا إلى أخــراهــــا
إذ كـــان لـلـعرفـان وقــفــــاً دائـمـاً            يرسي العقيدة فـي أشـد بـنـاهــــا
آهٌ عــلــيــه وألــــف آهٍ لا تــــفــــي
           بـمـصـابـنـا فــــيـــه فـــــآهٍ آهــــــــا
سكن الـجـنـان مـع الـنـبـي وآلــه            والخيـريــن الـغـر فــي أعــلاهـــــا
ثــم الــصـلاة عـلـى الـنـبـي وآلــه            والصحب خير الخلق في مبداها

وقال راثياً الخطيب المشهور ملا أحمد بن محمد آل رمل الأحسائي رحمه الله تعالى وقد توفاه الله في مدينة مسقط العمانية في سنة 1379 للهجرة الشريفة :-

تبكي المنابر لــلـفـقـيــد الــغـــالـــي            رب الـــنــهــى ومــعـــلــم الأجــيـــال
تبكي المنابر أحمد الرمل الــــذي            مــلأ الــخــلــيــج جـــواهـــر ولألــــي
من محكم التنزيل مـــن تـفـســيـــره            مـــن سـنـة الــهـــادي وهــــدي الآل
من نـهـج نـابـغـة الـبـلاغــة حـــيــدر            رب الــــبــيــان ومــفــخــر الأجــيــال
من رائع نــظـم الــبـديــع يــــهـــذه            هـــــذاً ويــلــقــيــه عـــقـــود لآلـــــيء
أو من أحاديث الـنــبــي مــفــصـــلاً            أحــــكـــامـــه فـــي روعــــة وجــــلال
ومــبــيــنـــاً مـــــــــاذا أراد لأمـــــــــة            يــبــغـــي لـهـا الـدنـيـا وحـسـن مـــآل
وموضحاً ما يــبتــغـــيــه لــــقــــومــــه            مـــــن عــــــزة ومــــكــــارم ومــــعــــال
لله أجــيــال عــيـــك تـــخــرجــــت            من تـحـت مـنــبـرك الـرفـيـع الـعـالـي
كل يصح بأن يــــكـــون مــعـــلــمـــاً            في الدين فـي الأخلاق في الأعمال
سـتــيــن عــامــاً واعــظــاً ومــوجــهــاً            تلقي الدروس عـــلــيــهــم بــتــوالــي
فــمــلأت أرجــاء الـــبـلاد مـــعــارفــاً            فــنــادى بـهـا الــقــرآن لـــلأجـــيـــال
وأبنت فلسفـة الـحـســيــن وقــصــده            مـــن ثــورة سـحـقـت عـبـيـد الــمــال
هيهات يسكت وهو سبط المصطفى            ويــرى الخــلافــة فـي يـد الــجــهــال
ويرى يزيداً في الــبــلاط مــتــوجــاً            ويـرى رجـــال الــديــن فـي الإذلال
والــعـسـجـد الــغــاوي يــبــذر إرثـــه            والـــديـــن فـــيء دبـــرتـــه مــوالــي
في ظل غانية تقود إلــى الــغـــــوى            أو أمـــرد يـــعــــطــو بــجــيــد حــــال
قـتـلـوا قـتـبـة وهـو ألــمــع قــائــــــد            وابن النصيــر الــعـبــقــري الــتــالـــي
ومحمد ابن القـاسـم الــفــذ الـــذي            جـــازوه قــبــل الــقــتــل بـــــالإذلال
هم أوقفوا تلك الــفـتــوح وقــيـــدوا            أقـــدام ســيــر الــديــن بــالأغـــــلال
واستبدلوا بهم الغـريــض ومــعــبـــداً            وســلامــــة الــــــمــرذولــة الأحــوال
فأبى أبي الضــيــم يــتــرك ديــــنــــه            لــحــثــالــة ســفــلــت مـــن الأرذال
ولذاك هب مـنــاضـــلاً عـن ديــــنــــه            وأزالـهـم وهــو الـعـزيـز الــــغـــالــــي
مــلأ الـسـيـــطــة والــزمــان مـنـابــــراً            لـــلــحــق تــنــشــره بــصــوت عـــال
إيــه أبـا عـبـد الــودود وكــــلــــنـــــــا            مــن بـعـد فـقـدك مــن ســرور خـــال
فالتبـكـك الأحـسـاء حـيـث تـركـتـهـا            مـــشــغــولــة بــالــنــدب والإعـــــوال
والـتـبـك ذكـراك الـعـراق وأهـلـهــــا            مـــا دام فـــيــــهــــا مـــنـــبـــر لـــــلآل
وكذا الجزيرة والـخـلـيـج ومـسـقــــط            مـهـد الــعــروبــة والــســنــام الــعــال
وكذا الكويت ومن مشى في أرضهــا            عـيـن الـخـلـيـج ومـنـبـة الآمـــــــــال
أمــا أوال فــمـــا أقـــول بــشــأنــهــــا            تـــاج الـخـلـيـج ونـوره الــمـــتـــلأل
بـالـعـلـم والآداب رضـت عـقـولـهــــم            وبــكــل مــعــنــاً لـم يـدر بـخـيـــــــال
أنـهـضـت لـلآداب صـيـد شـبـابـهــــم            ولـــذاك أضـحـوا مـــفــــخــــراً لأوال
وتـسـابـقـوا مـع غـيـرهـم وتــفـــوقـــوا            بـــالــــعــــلــــم بالآداب بالأعــــمــال
آه عــلــيــك وهــل يــفــيــد تـــــأوه ؟            أتــبــعــتـــه بــــالـــدمـــع والأعـــوال
ذكراك يا بـطـل الـمـنـابــر لـم تـــزل            مــطـبـوعـة فــي خـاطـري وخـيـالـي
فـالـتـبـق فـي الـتـأريـخ حـيـاً خـالـداً            فـوق الـمــنــابــر مــضــرب الأمــثـال

وقال رحمه الله :-

أحب بلاد العـرب أهــلاً وتــربــة            ولكن حبي لــلـحـسـا جـنـــونــي
أحبهم لا حب قيس بــن عــامـــر            لليلى فذاك الحب محظ مجون
لهم في شغاف القلب من مساكن            وللكل منـهـم صــورة بــعــيــنــي
ولعت بهم حتى منامي يـــقــظــة            لكثرة أحلامي بـهـم وفـتــونـــي

وقال هذه الأبيات في مدح المقدس العلامة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي أعلى الله مقامه :-

أيها الشيخ أنــت لله أحــمــد            وبنشر التوحيد لقبت أوحـــــد
فإذا رقت المـعــارف عــبــــداً            أنـــت بـعـد الـولاة لله أعــبـــد
يهرم الدهر من مرور الليـلـى            والهدى مـنـك نـاشـئـاً يتـولـى
فلك الفخر باقياً والـمـعـالـــي            ولك الــذكــر خـالـد يـتـجـدد
أنت في حكمة المهيمن فرد            بـهداهــا قــد إجــتـبـاك وأيــد
أنت مشكاة نـورهـا والـتـقـــي            وكذا أنت في المعارف تصعد

وقال رحمه الله في مدح الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي طاب ثراه :-

يــا مـثـالاً بـه الـهـدى قـد تـجـســد            هيكل العلم أنت يا شيخ أحمد
أنت زين الدين الـذي لا يـبـارى            فـي عـلـوم وفـي مـزايـاك أوحـد
أنـــت حــي وإن تــمــادى زمــان            وأرى اسمك الجليل مــخـــلــد
يهرم الدهر مـن مـرور الــلـيــالــي            ولـــك الـذكـر خـالـد يــتــجــدد
وأناس مـوتــى وهــم فــي وجــود            شـسـع الــفــرق مــيــت ومــؤبــد
شاهدي فيك شرح جامعة الهادي            الـتي مــنــك نــورهــا يــتــوقــد
فرح القوم بالـقـشـور وقــد كــانـــوا            قـشـوراً وأنــت عــقــل مـــجــرد
أنكروا منك شمـس حـق فـتـاهــوا            ومــحـالاً يـرى الـغــزالــة أرمــد
وخـتـــامــي أردد الـصـدر عــجــزاً            يا مثالاً به الـهـدى قـد تـجـســد

وله أيضاً قوله :-

تعلمت من سير الحياة تــجــاربـــاً            بدا لي منها سر بعض الطبائع
فلم أردى كالأغلاظ درساً لناجـح            ولم أر كالأعداء هادٍ لـضــائــع
ولم أر كالتأريخ في كل غـامـــض            وغامضة قاس بهتك الـبــراقــع
وخصوصاً إذا كان الجمال مزيفـاً            بأصباغ زور بين قـان ونــاصــع
وإلصاق شعر فوق هـامــة أصــلــع            لتظليل أبصار وكسب مطالـــع
وإلباس جسم القبح ثوب وسامـــة            بلف كما لفت طرود البضائــع
هنالك للتاريخ أعظم غـــــضــبـــة            يـدمـر فـيـهـا كــل شــار وبـائـع

هذا ما جمعه الأخ الفاضل أبو حسن الحاج جواد ونأمل أن نعثر على بعض من نتاجه الفكري فيما بعد والله من وراء القصد ، ورحم الله أديبنا الحاج ياسين ، رحمه الله رحمة الأبرار ، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

كتبه / محمد حسين الشيخ علي الرمضان "أبو سمير"